في الأعباء (5) : الإسلاميّون والغرب، الطّلسم

by Mansar Hedhili | 30 سبتمبر 2018 19 h 24 min

.

أذكر كتيّبا لزعيم الجماعة الإسلامية قبل أن يكون زعيم الاتجاه الإسلامي ويصير زعيم حركة النهضة في انتظار عنوان جديد. قرأته أواخر السبعينيّات إذا لم تخنّي الذاكرة. كان عبارة عن وريقات قليلة من ذلك النوع الذي شاع تداوله تلك الفترة والذي يقوم على التبسيط والحسم وإظهار الموقف من وجهة نظر الإسلام أو المتحمّسين له من بين الكتّاب والمفكّرين الإسلاميين. عنوان الكتيّب : نحن والغرب. تذكّرت ذلك الكتاب ذي النبرة التبسيطية والحاسمة وأنا أفكّر في العلاقة المركّبة والغامضة لا بين الاسلام والغرب ولكن بين الإسلاميّين والغرب. أقدّر أنّ الإسلاميين التونسيّين جزء من ديناميّة واسعة هي بين ثقافية وسياسية وأنّ هذه الديناميّة تشمل كلّ المنطقة العربية والإسلامية. لو تأمّلنا لاكتشفنا أنّ هناك تفكيرا صينيّا وهنديّا ويابانيّا في الغرب بل إنّ هناك تفكيرا ألمانيّا في الغرب بالنظر إلى خصوصيّات ألمانيّة يعلم عنها المشتغلون بتاريخ الأفكار والفلسفة.

منذ تثبّت الغرب مركزا قويّا ونافذا ومؤثّرا تثبّت سؤالا بين خصومه ومنافسيه ومطحونيه وصولا إلى مُستعمريه. ويبدو أنّ نصيب الأسد هنا كان عربيّا، فالعرب يجاورون الغربيّين أكثر من غيرهم وبين الإثنين جدل معمّر وصراعات قديمة إلاّ أنّ قرون ما بعد خروج العرب من الأندلس المؤذّن بتراجع عربي مثّلت ذروة في علاقات غربيّة عربيّة في اتّجاه واحد. عرب يتقهقرون وغربيّون يتقدّمون وصولا إلى احتلال غربي عسكري مباشر لأراضي عربية دام عقودا وبدّل نسيج المجتمعات العربية وفعل في الذهنيّات وطبع المخيال والأذواق. كان على المجتمعات العربية وشعوبها أن تطرح على نفسها سؤال الغرب وفعلت ذلك بما توفّر لها من وسائل وبما قدرت عليه.

تشكّلت قوى تحرّرية مقاومة شرقا وغربا وبرزت حركات وطنية حصرت نضالها داخل حدودها وأخرى ناضلت بأفق عابر لحدود هي من فرض استعمار يتقن التفريق ليضمن أن يسود. كانت استقلالات بالمفرق بعد الحرب العالمية الثانية وحتّى بداية الستينيّات من القرن الماضي. ولكن ورغم القيمة الرمزية للاستقلال عن دول غربية استعمارية عاتية القوة فإنّه، وفي المحصّلة، لم ينضج كما كان مطلوبا له أن ينضج بين العرب. سرعان ما سيّج الغرب الممكنات التي تفتح عليها الاستقلالات العربية. لم يشرع في الانسحاب من المنطقة إلاّ بعد زرع الغدّة الصهيونية ووضع هندسة صارمة لجلّ الدول التي خرج منها بما حكم بضعفها وتبعيّتها وارتهانها مقدمة لفشل تجلى تخلّفًا وعجزًا ومديونيّةً وأمّيّةً واستبدادًا. تبيّن أنّ الغرب أمتن وأقدر من النخب والمجاميع التى تصدّت للغرب تحدّيًا وسؤالاً وقوةً غاشمةً.

بعد هزيمة 67 المريرة بدأ البحث عربيًّا عن خلاص وشهدت الساحات على اختلافها ذات الحالة من التبرّم والانكسار والتوق إلى استرداد الكرامة وبلوغ مجد هو أصلا ثاوٍ في تجاويف النفس العربية التي ترى نفسها متصلة تاريخًا بالإسلام ومنها كان آخر نبي. عندما يبحث العربي عن مجده يراه خلفه ويراه ماضيا وهذا يؤهّلهه لأن يكون في كلّ أمره ماضويًّا أو يكاد. ليس هذا سيئا في المطلق ولكنه واقعا وتجربة يصيب بكثير من الخلل ويوقع في بعيد الانفصام. طبيعي أن يستفيد من أجواء 67 تيّار شعاراته إسلامية وطبيعي أن يزيد ألق هذا التيار عندما تنتصر في إيران الجارة ثورة عاتية شعاراتها إسلامية. كانت الرياح مواتية تمامًا لما حصل وشهدناه من انجذاب ضخم إلى الإسلاميّين وشعاراتهم الخلاصية : رياح الأنفس المنكسرة والدول الفاشلة والنخب المنفصمة والصهيونية المنتصرة المهينة لجمهور عربي واسع. طبيعي أيضا ومنطقي أن يصبح سؤال الغرب سؤالا برسم الإسلاميين.

هؤلاء طرحوا السؤال لمّا تشكّلوا جماعات ضيقة وخلصوا إلى أنّه شرّ وجبت مقارعته ولكن السؤال بين الإسلاميين حضر سياسة بعد فكر بعد تحوّل الإسلاميين قوّة مؤثّرة داخل الحدود القطرية وعبورا لها إلى أمّة عرّفها الإسلاميّون إسلامية. تعني لهم الفليبين وتركستان وجاكرتا وتنزانيا وإسطنبول كما تعني لهم العواصم العربية. تشكّل في ذهن الإسلاميّين حلم ضخم لعلّه أضخم حلم بالنظر لامتداد ضفافه ودافع عن هذا الحلم شيوخ عقلاء وَرِعون بحضرة شباب يافع يسترد للتوّ ذاكرة الفاتحين المظفّرين.

آخر السبعينيّات لم يكن الغرب بعين الشاب الإسلامي أكثر من قشّة لا تلبث أن تطير ويأخذها الزمن إلى سحيق. ليس هذا سيئا في المطلق إذا تجلّى منه وتثبّت بالتجربة والتمرين. الواقع يبيّن العكس وينحسر على إسلامية من صلصال حيث امتحنته وبما امتحنته يهوي. صرح خيال هوى ولا يملك صرح هكذا إلاّ أن يهوي. كيف لم يكتشفوا أنّهم من صلصال وأنّهم صرح هوى ؟ التربية العقدية التي تُبرمَج على التقديس لا على إعمال رأي وتفكير ما يفتح على مراجعة وتحيين وتمكّن الحلم من نفس عربية منكسرة. لا يكون هذا ضرورة إذا كان مقدّس وحلم بل المطلوب أن يحضرا ليكون ما يعوّل عليه ويعتدّ به. ولكن الأمر يتعلّق بالتصرّف في البُعديْن والتأليف بينهما ورفدهما بما يلزم ويحتاجانه من أبعاد أخرى. كان المطلوب رؤية استثنائية لم تتوفّر للإسلاميّين وكان المطلوب توفّر قيادات فوق عادية لجهة القدرة على تعريف الأولويّات والبناء التدريجي وأخذ القرارات بالحجم وفي التوقيت المطلوبيْن. هذه القيادات لم تتوفّر هي الأخرى.

برع الإسلاميّون في أمرين بلا ثالث : الحشد والتنظيم. أمّا الحشد فبالمقدّس وأمّا التنظيم فبالطاعة التي هي شرط التقديس. ما دون ذلك من مزايا مرتبطة بسعة الفكر وعمق ثقافة وبصيرة محيطة وتفكيك استراتيجي غير متوفّر بينهم. أعرف كثيرين منهم أشهد لهم بالخلق والصدق والحماسة والبذل ولكنّني عندما أتناولهم من زوايا أخرى غير الذاتية والأخلاقية أُصابُ بالذهول. جليّ أنهم يعانون من أكثر من خلل يقعدهم وأنّ عناصر قوّتهم التفصيلية ليست نهاية المطاف إلاّ عوامل في ضعفهم الكلّي. أمثلة فارقة : بسيط التقديس مانع للتفكير، والطاعة مانعة لنقد الفاعلين، والأخوّة جماعة مانعة للتواصل مع المجتمع. لا ضرر من تقديس وطاعة وجماعة وإنّما الضرر منها مفردة ومجتمعة كما تدرّب عليها ومارسها الإسلاميّون.

الخلاصة أنّ الإسلاميّين فشلوا وعدم اعترافهم بهذا لا يحولهم ناجحين ولا يعني فشلهم أنّ غيرهم ناجح ولا يعني فشل الجميع أن يجامل المرء الإسلاميّين دون غيرهم لأنّهم إسلاميّون أو لأنّهم ضحّوا ودفعوا باهض الأثمان. أمّا إذا طرح المرء مسألة نجاح الإسلاميّين وفشلهم في العلاقة بالغرب وسؤاله فإنّ الأمر يختلف كثيرا. لم يفشل أحد في العلاقة بالغرب كما فشل الإسلاميّون ولم يستفد الغرب من أحد كما استفاد من الإسلاميّين.

أوشك أن أسمّيَ هؤلاء “جوكير” الغرب الذهبي… فترةَ الناصرية، وقد كان انزعاج منها، قدّم الإسلاميّون خدمة جليلة… قبل سقوط الاتّحاد السوفييتي قدّم الإسلاميّون خدمة فكّكته… وعندما تحوّل الخطر إيرانيًّا قدّم الإسلاميّون آخر خدماتهم. أقول آخر خدماتهم فليس معلوما إن كانت للغرب خطط لإعادة توظيفهم وتمكينهم من دور جديد. طبعًا، تترتّب الأمور جيّدًا لكي لا ينكشف الملعوب : عبد الناصر ديكتاتوريّ يعدم إخوانًا في الدين، والاتّحاد السوفياتي كافر مُلحد يحتلّ أرض أفغانستان المسلمة، وإيران صفويّة مجوسيّة تسبّ الصّحابة. طبيعيّ أن ينطلي كلّ هذا على الجمهور الواسع من الإسلاميّين فبهارات المقدس متوفّرة، ومن لا يُطيع يكون من المرتدّين. وهكذا منذ نصف قرن شباب ينتحر بمعارك لا علاقة لها بإسلام ومسلمين وخاتمتها إدلب التي قد تكون أضخم مذابح الإسلاميّين. أجالس في المقهى أناسًا بسطاءَ يفهمون طبيعة ما يجري منذ سنوات وتعجز عن ذلك قيادات متقدّمة من الإسلاميّين. إمّا أنّ عقلهم مخصيّ أو أنّ ضميرهم هو المخصيّ. إمّا أنّهم حمقى بلا حدود أو أنّهم عملاءُ بلا نهاية.

خلاصة الخلاصات أنّ الإسلاميّين دون الغرب بكثير لذلك فإن سؤال الغرب مسؤولية غيرهم الآن. إذا شئنا قلنا إنّه غيّر في المكان وأعني العجم مع أسبقية مشروعة للإيرانيّين في انتظار ما قد تسفر عليه مخاضات تركيا. وإذا شئنا قلنا إنّه غيّر في الزمان وأعني عربا قادمين. إذا تعلّق الأمر بالغرب الثقافي فإنّ الإسلاميّين لم يُفلحوا في تفعيل ممكنات الإسلام الروحية والمعنوية القادرة على منافسة ما بناه الغربيّون في الرؤى والمناهج والأفكار والإبداعات. بالعكس تركوا بل تسبّبوا في مزيد من السوء عندما اختزلوا الإسلام في مشروع سلطاني وحوّلوه إلى سلّم حكم وحاصروه بين فقه وتشريع وهو أرحم وأوسع من ذلك بكثير. هم أيضًا فسحوا المجال لجهاديّة عدميّة تحضر في أذهان الخلق شرقًا وغربًا كلّما ذُكِر الإسلام. وهذه، حسب تقديري أعظم كارثة تحلّ بدين جعله الله رحمة للعالمين ويتحوّل نقمة شاملة.

أمّا اذا تعلّق الأمر بغرب السياسة الماكر المشيطن والهيمنيّ فإنّ الإسلاميّين فسحوا له أكثر ومكّنوه من رقاب لا يبلُغها إلاّ بِهم ولم يبلغها إلاّ بِهم. هي تجربة يجب أن تُفكَّك بما يجب من صرامة لا لترقيعها فما عادت قابلة للترقيع ولا أراها إلاّ منتهية… والإسلاميّون الكبار يُدرِكون أنّ الأمر هكذا ولا يعترفون، فالإقرار بالخيبة مرير. الانكسار الذي تُبديه النهضة التونسية وتُغلِّفه توافقًا لا يُفسَّر إلاّ بتقدير موقف، صائب هذه المرّة فقط، بأنّ الأفق مسدود. لذلك، وخصومها يدركون كما يدرك كبارها، هي تُبتزّ وتقبل بالشرط تلو الشرط وتُقدِّم الخدمة تلو الخدمة. هي فقط طالبة الستر وربّي يسترها ويسترنا دنيا وآخرة.

لا ترقيع ولكن تأسيس لجديد. أوّلاً، يجب أن نُبقِيَ على سؤال الغرب سؤالاً حيويًّا فلا نركن. وفي كلّ الأحوال لا يترك الغرب لغيره خيارًا. أنت بين أن يستعبدك وبين أن تقاومه. ثانيًا، فشلُ الإسلاميّين لا يعني عطالةً وعُقمَ إسلام وعجزه عن الإنجاز الحضاري والتاريخي. ثالثا، الأولويّة لورشة ثقافية ضخمة بجرأة غير محدودة على الموروث الديني حفرًا وسؤالاً ونقدًا وتجاوزًا بشرط أن لا تكون النيّة بداية نيّة نسف هو اختصاص مرضى أو جشعي مال أو عملاء. رابعًا، ترك السياسة لأهلها وعدم الانخراط فيها حشدًا بدين ليس معلومًا إن كانت تجربة السنوات الأخيرة قد تركت منه شيئا.

مع احترامي لما بذل الإسلاميّون من جهد ووقت ودماء ودموع فإنّ حصادهم مقارنة بزرع طال وكلّف وجذب شرائح واسعة، هذا الحصاد مخيّب لهم ولغيرهم. كانوا حالمين وحيث تحرّكوا رؤيةً وتصوّرًا وخططًا وقرارَا كانوا أقرب إلى المراهقين. هذا يعني أنّ أزماتنا الدينية والثقافية والسياسة والاستراتيجية تطلب مستويات عالية من الوعي والتمكّن والاقتدار والتحدّي عجز عنها الإسلاميّون. من مصلحتهم قبل غيرهم الإقرار بذلك والسلوك على أساسه.

.

القلم الحرّ الهذيلي منصر

.

شكرًا لكم مسبقًا على توزيع هذا المقال باعتماد الأزرار التالية :

Source URL: http://plumes-libres.com/blog/2018/09/6809