Hot في السواحل والدواخل، “البلايك” الأخرى

by Mansar Hedhili | 4 أغسطس 2018 16 h 40 min

.

منذ أيّام أخذت سيّارة أجرة من نابل إلى تونس. “هاو غلطت” وعوض أن أقول “أنا” قلت كما يقول السواحلية “آني”. عاد سائق السيّارة تقلّق وكأنّه يقصد الاستهزاء. لم أردّ عليه. سلاحي في مواقف كثيرة “دوحي يا مباركة”. ولكن الفكر ذهب بعيدا عن السائق وسيّارته. هذا بعض سفر آخر :

لمّا أبحث في نسبتي بالجغرافيا أحتار. من أين أنا ؟ الجدود المعلومون استوطنوا الساحل ولم يقربوا البحر. كان بحثهم عن المرعى واشتغلوا في زراعة الزيتون. جدودهم من سيدي بوزيد وإحدى جدّاتي القريبات من “الموانسة” في جرجيس. بالميلاد سقط رأسي في المدينة “العربي” بالقيروان. صور الطفولة بين طرقات القيروان و”جلولة” و”الزنايدية” حيث أمسكت بأوّل حجلة ببركة صيّاد صفاقسي تكرّم بها عليّ وعدت بها إلى البيت فرِحًا مسرورًا. وفي “الزنايدية” كانت أوّل غرقة في جابية غير بعيد عن سكننا المدرسي وسلّم الله.

بعد ذلك إلى الساحل تعليمًا ابتدائيًّا وثانويًّا وعاليًا. خرجت من قريتي الصغيرة التي تحوّلت مدينة معتبرة بفضل أبناء هاجروا بأعداد غفيرة إلى فرنسا فلم يملك بورقيبة لنا الكثير ولا هم أصلا عوّلوا عليه. “قلّك حسبنا يوسفيّين !” وذلك من التبرير ليس أكثر فالبلد فقير. خرجت إلى المنستير وبعض من درّسني من الفرنسيّين. لا زلت أذكر الشقراء “مدام فوسار”. إذا ماتت ربّي يرحمها والسيد “ارنود” الذي انتحر في ما بعد والسيد “دال” الذي أثبت لي أنّني غبيّ حساب ورياضيات ما أخذني بعد ذلك إلى الحروف والآداب.

المنستير في بالي بحر مزدوج. ذلك الأزرق الذي كانت تصلنا زمجرته ونحن بالمبيت أيّام الشتاء. وإذا لم تكن زمجرة كان زئير أسد جار لنا بحديقة حيوانات محاذية. كنّا ننام صغارًا ونعلم أنّ مبيتنا أُقيم على مقبرة قديمة. كنّا جيرانًا للموتى أيضًا فصرتُ أهتمّ بقصص “العبابث”. البحر مزدوج لأنّ الذهن كان يتحرّك ويتموّج أيضًا. تنوُّع في الذين كنّا ندرُس معهم وفي الذين كانوا مدرّسين لنا وفي الدروس. كان المعهد ساحليًّا جدّا أي إنّه يستقطب من مدن الساحل ومن قراه ومن أريافه البعيدة. في المبيت بين خفشة وفطّومة تعلّمت أن أسمّيَ الأسماك وأن أتذوّقَ فيروز وأمّ كلثوم وأن ألتزِمَ بالوقت وأن أتناول طعامي على طاولة وقد تعوّدت الحصير. توقّف الانتماء عندي، الانتماء إلى القرية.

بعد المنستير سوسة، وسوسة غير المنستير حجمًا وحركةً وتعقيدًا. وفي سوسة كان البحر بحر أفكار ورؤى وأحلام. بعد المنستير وسوسة، المهدية للتدريس، وهكذا قدَري سنينَ طويلةً. تعرّفت على كثيرين صادقتُهم وكانوا من جهات مختلفة ولم أطرح على نفسي تفكيرًا ولا مقارنةً في العلاقة بالسواحل والدواخل. لم تكن أولوية ولم يكن من سبب، وأصلاً أنا جغرافيًّا من الداخل وبيتي لا يفتح على بحر. مسألة الدواخل بدأت عندما أدمنت السفر إلى الجنوب فترة وعندما انتقلت للتدريس في القيروان. عندما أكون في القيروان أقول هنا سقط رأسي. عندما أكون في مدنين وتطاوين أتذكّر جدّتي الجرجيسية العكّارية وعندما أكون بين قفصة وسيدي بوزيد أقول هنا كان الأجداد البعيدون. لم تَنَلْ من ذهني الجهويّات قيد أنملة. لا الجهويّات ولا أبعد منها من عنصريّات. ثقافيًّا، أجمع بين الغربيّة والعربيّة الإسلاميّة. مذهبيًّا، كثير من أحبابي شيعة. دينيًّا، أتبرّك بالأب “بيار”. سياسيًّا، ألْعَنُ آل سعود وأنتظر البشرى من اليمن.

لماذا أنا هكذا ؟ ممكن لأنّني من برج الجوزاء، وقدّر الجوزاء أن تصل ضفّتيْها وتسعى في الحلول. ممكن لأنّ والدي جمع بين الزيتونة و”ترشيح المعلّمين”، والأغلب لأنّني من الساحل. في الساحل عشرات المدن وعشرات القرى وعشرات الأرياف المتلاصقة. اختلاف لهجات وأعراف وثروات ونِسَب تمدرس متفاوتة. رغم كلّ هذا يشعر السواحلية أنّ شيئا يجمعهم وليس ذلك الشيء مقارنة بغيرهم. لا. هم كثرة ووحدة. يتصاهرون ويشتركون في الأعمال والتجارة ويغيّرون من مكان إلى مكان داخل الساحل لشرب قهوة وتفسُّح. هذا يسمّونه تمدّنًا وهو قديم جدًّا في الساحل وفَعَل في الذهنيّات والسلوك. التمدّن ليس شيئًا يُلمَس باليد هو رائحة تُشمّ مع الهواء.

هذا التمدّن ليس منّة بورقيبة، ولا منّة بن علي، وأصلاً كلّ صنّاع السياسة منذ البايات يستوطنون العاصمة ويلبسون أقنعتها. أستضيف وأستدعي وأستقبل قادمين للساحل للمَصيف، وألاحظ أنّهم يَسعدون فيه ويَلمَسون بين ساكنته لُطفًا يعترفون أنّهم محرومون منه حيث يقطنون. البعض يأتي موظَّفًا ويقيم بيننا راضيًا مقتنعًا، وكثيرات يَتَمَنَّيْنَ أن يكون “المكتوب” في الساحل. الأقدر على الاندماج هم أهل الساحل حيث ينتقلون. وَالِدِي المسنّ يتواصل مع مُعلّم زميل له من القيروان درّس معه سنة 60. وأكثر نِسَب اندماج القادمين في الساحل. هناك مشاكل أكيد وسببها ذهنيّ. مَن يأتي إلى الساحل وهو مسكون بالعرش والعروشية من أين له أن يتواصل ويندمج، ومَن كان غير مستعدّ للصبر والكدّ كيف يمرّ ؟

اكتشفتُ أمورًا أفزعتني وأضحكتني وأنا أجرِّب الدواخل. في كلّ مكان مِن الخير والشرّ والسلب والإيجاب، ولكن هناك النِّسَب وهي محرار. قبل كلّ شيء البسمة “يجيب ربّي !”. الجبين مُقَطَّب والحاجب معقود والعين إذا نظرَتْ تنظر بحدّة لا مبرّر لها وحسن الظنّ مفقود. وكأنّك في حالة طوارئ. أمر آخر، ثقتهم بين بعضهم قليلة ويُراقِبون بعضهم البعض. تَفْهَم هذا عندما تُقارِن سلوك الفرد في وحدة معك بسلوكه محاطًا بالآخرين. التوجّس من كلّ نكتة وكلّ ضحكة وإشارة خيال. العروشية، وما أدراك ما العروشية !

بالله قبل أن نفكّر في العلاقة بين ساحل وداخل لِنفكّرْ في علاقة داخل بداخل وداخل الداخل بداخل الداخل. ما هي علاقة “سيدي عمر” بالقيروان والقيروان بسيدي عمر وما علاقة جربة بمدنين ومدنين بجربة ؟ وما علاقة الحامّة بقابس وقابس بالحامّة وماذا عن “القفاصة” من أصل تركي وغيرهم وماذا عن سيدي بوزيد التي انطلقت منها الثورة وتَحكُم انتخاباتِها العروشيةُ، وتَحكُمها لِحساب من ثارت عليهم بوزيد.

لا يستحضرون أنّهم دواخل إلاّ إذا تذكّروا الساحل، أمّا واقعًا فما يجمع بينهم قليل. لم أُصدَم كما صُدِمتُ في القيروان حين اكتشفتُ أنّ الواحد يمكن أن يكون متعلّمًا ومتحصّلاً على أرقى الشهادات، ويمكن أن يكون صاحب ثروة ومال، ويكون كلّ همّه وكلّ تعاسته أنّه من ريف القيروان لا من القيروان ! “دبّرها وجابو ربّي في الصواب !”. “عاد” جماعة الدواخل اِطرحوا عنكم حكاية الساحل والسواحليّة وانظروا في مشاكلكم وما يشدّكم وما يُعيقكم، وحبّوا بعضكم وتعاونوا “تو يفرّجها ربّي”.

الساحل أيضًا عاني من حيف مركز المال والسلطة، ومحلاّت البايات عبثت فيه وكركبت الروس في الشوارع. الساحل قفز بالفلاحة والتجارة والعَرَق والكدّ، ونحن نعرف هذا في دائرتنا العائلية الضيقة، ونعرف ماذا فعلت “الزمّة” بنا وكيف كانت تجارة الزيت والقموح والسعي بين الساحل والدواخل. كان ذلك قبل بورقيبة وبن علي. “عاد” نصيحة وأنا محسوب منكم : تربّصوا عندما تخوضون في كلّ هذا. وإلاّ فالمُتابِع يقول إنّكم تَحسُدون السواحليّة لا أكثر ولا أقلّ.

واحد “في بالو عِرّيف” في حملة انتخابات بلدية، “هي بكلّها مضروبة”، يَستدِرّ عطف الناخبين بالقول إنّ الصوت الذي لا يذهب لقائمته يذهب للساحل والسواحليّة. لو كان مرشّح رئاسة كنّا نفهم، ولكن بلدية بمنطقة مطمورة التنافس فيها بين متساكنيها ! طبعًا القصد إثارة الغرائز، والأسهل لمن هو غارق في العروشيّة إثارة نعرة الجهويّة. لمّا تتخلّص في ذهنك من العرش “تَوْ تسلّكها” في كلّ شيء. الساحل فيه فساد وفيه سُرّاق وفيه مُستقوُون بالسلطة كما في غيره، ولكن هؤلاء يمثّلون شبكات مصالح ومافيات، وتستقطب من شرق وغرب بحسب الربح والفائدة وهؤلاء لا يُفسَّرون بجغرافيا وديمغرافيا. سواحلية قبل غيرهم ضحايا الفساد.

لا أكتب من مقهى بمرسى القنطاوي ولا من “مارينا” المنستير. أكتب من قرية تحوّلت بالكدّ والجدّ مدينة. فيها من بركات الدولة ما نجده في كلّ تونس : مُستوصَف ومركز حرس وابتدائية وإعدادية وبلدية وكفى، وترميم كلّ هذه المرافق من مال المغتربين. ولكنّني أشهد أنّني إذا جلست بمقهى هنا أجد من الكياسة واللطافة ما لا أجده بمقاهي مدن الدواخل الضخمة. “موش كلّ شيء يتفسّر ببورقيبة وبن علي !”. ثَمّة أشياء وهي الأساس تُفسَّر بغير سياسة ودولة. تُفسَّر بالعقول والقلوب والعمل والعطاء. “بلايك” الطريق مشكلة بسيطة. المشكلة العسيرة “البلايك” التي بدواخلنا !

وقبل هذا وبعده هذه مشكلتكم. أنا الآن من مارون الراس. “سكّرنا الحانوت وربي يربّح”. من مارون الراس والمؤونة فستق، هههه. وطنك الذي هو وطنك حقًّا بين نبضة قلبك ويقظة عقلك. مارون الراس مفيدة للقلب والفستق غذاء عقل. وربي يبقي علينا وعليكم الستر.

.

القلم الحرّ الهذيلي مَنصر

.

شكرًا لكم مسبقًا على توزيع هذا المقال باعتماد الأزرار التالية :

Source URL: http://plumes-libres.com/blog/2018/08/6753